دولة المماليك ( ٦٤٨-٩٢٣هـ / ١٢٥٠-١٥١٧م ) من المماليك ؟ وما موطنهم الأصلي ؟ وكيف وصلوا إلى الحكم ؟ وما دورهم في حماية العالم الإسلامي ؟

 اصل  المماليك ؟

 أصل المماليك إنهم خليط من الأتراك والروم والأوربيين والشراكسة ، جلبهم الحكام ليستعينوا بهم في القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن السابع . كان كل حاكم يتخذ منهم قوة تسانده ، وتدعم الأمن والاستقرار في إمارته أو مملكته ، وممن عمل على جلبهم والاستعانة بهم الأيوبيون ، وبخاصة في عصورهم المتأخرة لما أصابهم الضعف واحتاجوا إلى الرجال لقد كانوا يباعون للملوك والأمراء ، ثم يتربون على الطاعة والإخلاص والولاء . 

المماليك في مصر :

 وعرفت مصر نوعين من هؤلاء المماليك : 

1- المماليك البحرية

 وهم الذين أسكنهم الملك الصالح الأيوبي قلعة في جزيرة الروضة ، ونسبوا إلى بحر النيل ، أو سموا بذلك لأنهم قدموا من وراء البحار ، وهؤلاء حكموا مصر من سنة ( 648-784هـ / ١٢٥٠-١٣٨٢م ) وتداول عرش مصر في عهدهم أربعة وعشرون سلطانا 

  ٢- أما النوع الثاني فهم المماليك البرجية أو الجراكسة 

 وسموا بذلك لأن السلطان قلاوون أسكنهم ابراح قلعة الجبل ، ولأن الجراكسة كانوا أكثر عددا ، وهؤلاء حكموا مصر من سنة ( ٧٨٤-٩٢٣هـ / ۱۳۸۲-١٥١٧م ) وهم ثلاثة وعشرون سلطانا ، ولقد  كانت النهاية على يدالعثمانين عند مرج دابق والريدانية ( حي العباسية ) سنة ٩٢٣ هـ وكانت الغلبة للعثمانيين الذين آلت إليهم ممتلكات المماليك ليبدءوا عهدا جديدا . ولم يأخذ المماليك بمبدأ وراثة العرش ، وإنما كان الطريق مفتوحا أمام من أبدي شجاعة وإقداما ومقدرة . 

هذه هي المؤهلات في دولة المماليك التي قامت على أنقاض دولة الأيوبيين ، وبعد مقتل توران شاه آخر سلاطين الأيوبيين بمصر . 

التصدي للمغول 

 إن المغول يزحفون..وإن الخطر قادم فلتتوقف الخلافات بين المسلمين ، ولتتوحد القوى في مواجهة هذا العدوا لقد استولى المغول على الأراضي الإسلامية التابعة لخوارزم شاه ، ثم واصلوا سيرهم كما عرفت من قبل مهددين العراق حتى أسقطوا الخلافة العباسية . 

كانت مصر في ذلك الوقت يحكمها علي بن أيبك الذي كان في الخامسة عشرة ، والذي تولى مصر بعد وفاة أبيه المعز أبيك ، وكان ضعيفا لا الا حول له في هذه الظروف الصعبة . وراحت مصر تتطلع إلى مملوك قوي يحمي حماها ، ويصون أرضها .

 لقد سقطت الخلافة واستولى التتار على بغداد وبقية مدن العراق ، ثم اتجهوا نحو بلاد الشام التي كانت مقسمة إلى إمارات يحكمها أمراء ايوبين وتمكن التتار من الاستيلاء على حلب سنة 657 هـ / ١٢٧٧ م . 

سيف الدين قطز

 وفي هذه  اللحظات التاريخية ظهر " سيف الدين قطز " وقد تولى حكم مصر ، وقال قولته المشهورة : لابد من سلطان قاهر يقاتل عن المسلمين . ووصلت إلى مصر صرخات أهل الشام ، واستغاثات أمرائهم من الأيوبيين : أن تحركوا واعملوا على إنقاذنا ، لقد قتلوا العباد ، وخربوا البلاد ، وأسروا النساء والأطفال ، وأصبحت مصر هي الأمل بعدما ضاع الأمل في الخلافة ، وفي أمراء الشام . خرج " سيف الدين قطز " في عساكره ، حتى انتهي إلى الشام . 

عين جالوت 

 وكان اللقاء عظيما عند " عين جالوت " في الخامس والعشرين من رمضان الذي وافق يوم جمعة . ولأول مرة يلقى المغول من يصدهم ويهزمهم هزيمة ساحقة ، وكان النصر لراية الإسلام . وكانت صيحة واحدة صدق بها المسلمون ربهم "  وإسلاماه " ، وفي يوم واحد ، انقلبت الأوضاع ، وأذن الله بنصره بعد عصر طويل من الذل والمهانة ، وبعد جبال الأشلاء وأنهار الدماء التي غرق فيها المسلمون. 

بعد ذل ولكي تدرك مدى الضعف الذي كان عليه المسلمون قبل أن يعودوا إلى ربهم ، فاعلم أن التتري كان يلقي المسلم في بغداد وليس عند سيف ، فيقول للمسلم : قف مكانك حتى أحضر السيف لأقتلك . فيبقى المسلم جامدا ذليلا في مكانه حتى يأتيه التتري بالسيف فيقتله بها لقد قاتل سيف الدين قطز قتالا عظيما ، وقاتل معه الأمراء المماليك حتى النصر .

ووقف قطز يوم " عين جالوت " على رجليه تاركا جواده ، وهو يقول لمن راح يلومه على ذلك خائقا عليه : إنني كنت أفكر في الجنة ، واما الإسلام فله رب لا يضيعه ! لقد قام قطز بنفس الدور الذي قام به صلاح الدين .. عرف الحقيقة ، وأعلنها على الناس : لقد انهزمتم أمام التثار لتهاونكم في أمر دينكم ، فاستمسكوا بهذا الدين ، والله منفذ وعده الذي وعد ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكلنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلئهم من بعد خوفهم أمثا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) [ النور : 55 ] . 

الظاهر بيبرس 

ولكنه لقي مصرعه وهو في طريق العودة بعد النصر ! ويتولى الأمر ، بعده " الظاهر بيبرس البندقداري " ، يتولى سلطنة مصر ، والشام ، ويبعث بإحضار أحد العباسيين إلى مصر ويعينه خليفة للمسلمين ، وهو المستنصر بالله ، وقد تولى بعد مقتله الحاكم بأمر الله الخلافة بمصر ، وأطلق عليه أمير المؤمنين ، وكان يدعي له على المنابر ، أما الأمر والنهي فهو للمماليك حتى سقطت الخلافة وانتقلت من العباسيين إلى العثمانيين .

ولا تنسى للمماليك بصفة عامة دفاعهم عن الإسلام وأهله ودياره ضد التتار ، فلقد أبلوا بلاء حسنا ، وكانوا خير عون للإسلام والمسلمين في كل فترة من فترات تاريخهم . 

 قتال الصليبيين 

وإذا كان التاريخ قد سجل للمماليك في حرب المغول بطولة رائعة ، فقد سجل لهم قبل سنة 648 هـ / ١٢٥٠ م بسالتهم وإقدامهم في قتال الصليبيين عند " المنصورة " وعند " فارسكور " بقيادة الظاهر بيبرس . الظاهر بيبرس لم يترك سنة في فترة ولايته دون أن يغزو الصليبيين ويحقق انتصارات عليهم . لقد استرد " الكرك " سنة 661 هـ / ١٢٦٣ م ، و " قيسارية " سنة 663 هـ / ١٢٦٥ م ، وكثيرا من البلاد التي استولى عليها الصليبيون مثل " صفد " ، و " يافا " ، و " أنطاكية " سنة 666 هـ / ١٢٦٨ م . لقد وقف بييرس للتتار وللصليبيين معا بعد أن تحالفت قوى التتار والصليبيين ضد المسلمين ، وكان لهما بالمرصاد ، وأسس دولة المماليك تأسيسنا قويا ، وعندما لقي ربه سنة ٦٧٦ هـ / ۱٢٧٨ م  استمر الملك في ذريته حتى سنة 678 هـ .

 الملك الأشرف خليل 

 ومرت سنوات قبل أن يتولى الملك " الأشرف خليل " أمر البلاد بعد وفاة والده قلاوون سنة 690 هـ / ١٢٨١ م ، وفيها أسدل الستار على الصراع الصليبي مع المسلمين في العصور الوسطى .

 لقد فتحت " عكا " وبقية مدن الساحل في هذه السنة ، وهرب الصليبيون إلى " قبرص " التي أصبحت ملجا لهم في الشرق ، وهكذا قطع الله دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين لقد حلت العقدة التي سادت الناس جميعا كما سادتهم قديما عن عدم إمكان هزيمة الجيوش المغولية مهما كانت أعدادها ، وكسبت سلطنة المماليك مركز الصدارة بين سلاطين المسلمين ، كما استقامت لمصر زعامة جديدة في العالم الإسلامي . غزو الصليبيين ويستمر عهد المماليك البحرية حتى سنة ٧٨٤ هـ / ١٣٨٢ م ، وكان عهد استقرار ورخاء ، ولكن بوفاة الناصر محمد بن قلاوون سنة 741 هـ / ١٣٤١ م ، اضطربت البلاد المملوكية مما شجع الصليبيين على غزو مصر سنة 767 هـ / ١٣٦٦ م ، من جزيرة " قبرص " حتى سقطت الإسكندرية في أيديهم بعد أن ساءت أحوال البلاد لعدم وجود رجل قوي على رأس المماليك بعد الناصر قلاوون ، وسقط كثير من الشهداء على أيدي الصليبيين الذين اعتدوا على البنات والنساء .

 بداية عهد المماليك البرجية 

 ولكن يشاء الله أن يبدأ عهد جديد على " المماليك البرجية " يعيد للمسلمين مجدهم ، ويرفع راية الإسلام من جديد على ربوع الوادي . عهد المماليك البرجية بالظاهر برقوق سنة ٧٨٤ هـ / ١٣٨٢ م ، وانتهى بالأشرف قنصوه الغوري الذي قتل في مرج دابق على لقد بدا مد العثمانيين ، سنة ٩٢٢ هجري ١٥١٦ م .

حضارة المماليك 

 ولقد اهتم المماليك بالأوضاع الحضارية من بناء للمدارس والمساجد والعمائر ،يعد عصرهم من أزهى العصور في العمارة ، فقد كان للمماليك إسهام رائع في مجال العمارة ، فقد أصبح فن العمارة على أيديهم إسلاميا يستقي قواعده من مبادئ الإسلام وأصوله ، ففن بناء البيوت مثلا على عهدهم انطلق من مبدأ منع الاختلاط والغيرة على النساء ، فتبني البيوت الطابق الأول للرجال ويسمى " السلاملك " والسفلي للنساء ويسمى " الحرملك " ومدخل البيت ينحرف غربا نحو دهليز ومنه إلى حجرة الضيوف ، حتى لا برى الداخل من في وسط البيت ، وكانت هناك مداخل خاصة بالنساء فقط ، وكانت شبابيك البيوت مرتفعة بحيث لا يرى السائر في الطريق ولو ؟ كان راكبا من بداخل البيت ، وكانت هذه الشبابيك عبارة عن خشب مثقوب يسمح بدخول الضوء والهواء ، ويسمح لمن بداخل البيت بر برؤية من بالخارج بحيث لا يري من بالخارج من بداخل الحجرات كما كانوا يجعلون أماكن خاصة في الدور السفلي للدواب والمواشي ، وحجرات خاصة للمطابخ ، وهم الذين ابتكروا نظام دولاب الحائط الذي يوضع فيه الأطباق الخزفية ، وعنهم أخذ هذا النظام . وكان لهم اهتمامهم بالزراعة والصناعة ، إلى جانب تأليف الموسوعات العلمية والأدبية ، ومن هذه الموسوعات التي ازدهرت في عهدهم " صبح الأعشى في صناعة الإنشا " للقلقشندي ، و " نهاية الأرب في فنون الأدب " للنويري.






حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-